عبد الشافى محمد عبد اللطيف
55
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
والتابعيات حسب مواطنهم وأمصارهم ؛ فمن في مكة المكرمة ، ومن في المدينة المنورة ، ومن في البصرة ، ومن في الكوفة ، ثم رتب علماء كل مصر ، حسب شهرتهم وزمانهم . وكان ابن سعد موضع ثقة المحدثين ، ومدحه كثيرون منهم ، فقد قال فيه الخطيب البغدادي : « محمد بن سعد عندنا من أهل العدالة وحديثه يدل على صدقه ، فإنه يتحرى في كثير من رواياته » « 1 » . وإذا كان ابن سعد قد تتلمذ على أشهر علماء السير والمغازي في وقته ، وارتبط اسمه واشتهر بأنه كاتبه ، وهو الواقدي ؛ فقد كان هو بدوره أستاذا لكثير من العلماء ، من أشهرهم المؤرخ الكبير ، البلاذري صاحب كتاب فتوح البلدان ، وهو من أشهر وأهم الكتب في موضوعه . وقد توفي ابن سعد في بغداد ( سنة 230 ه ) رحمه اللّه رحمة واسعة . هؤلاء العلماء الذين ذكرناهم ، هم أشهر وأكبر مؤرخي وكتاب المغازي والسير ، طوال القرنين الأول والثاني للهجرة ومطلع القرن الثالث ، ومن خلال ما مر نستطيع أن نستنتج النتائج الآتية « 2 » : 1 - إن أكثر وأشهر كتاب السير والمغازي الأولين ، كانوا من أهل من المدينة ، وكان ذلك أمرا طبيعيّا ؛ لأن أكثر أحداث السيرة وكل المغازي كانت في المدينة ، والنبي صلّى اللّه عليه وسلم هو محور كل ذلك ، وكان من حوله من الصحابة أعرف الناس بتلك الأخبار ؛ لأنهم شهودها ومشتركون فيها ، وكان يروونها ويحدثون بها ويتناقلونها في فخر واعتزاز كبيرين ، وقد تلقى التابعون منهم كل ذلك بشغف كبير وسلموا كل ذلك إلى رجال التدوين الذين حفظوه بكل تفاصيله وسلموه بدورهم للأجيال التالية حتى وصل إلينا ، وهو ثروة قلما حظيت بها أمة من الأمم عن تاريخ نبيها وسيرته ومغازيه ، فجزاهم اللّه خير الجزاء ، وغفر لهم ، وأسكنهم فسيح جناته . 2 - كانت السير والمغازي - في البداية - جزآ من الحديث يرويه الصحابة ، كما يروون الأحاديث ، وقد شغلت السيرة النبوية حيزا غير قليل من الأحاديث ، والذين ألفوا في الأحاديث لم تخل كتبهم من ذكر ما يتعلق بحياة النبي صلّى اللّه عليه وسلم ومغازيه
--> ( 1 ) انظر تاريخ بغداد ( 5 / 321 ) ، انظر كذلك ضحى الإسلام ( 2 / 338 ) . ( 2 ) انظر في ذلك ضحى الإسلام ( 2 / 338 ، 339 ) .